كتب الدكتور عبد الكريم بكّار في موقعه الشخصي مقالاً عنوانه «الرغبة في القراءة»، يُقَرّر فيه قاعدةً تَختصر كثيراً من النِّقاش في تَحبيب الكتاب للأبناء: أنّ الرغبة في القراءة لا تُولَد مع الطفل، إنّما تُصنَع له صَنعاً، على يَدِ مَن حوله في البَيت قبل كلّ شَيء.
ما طرحه المقال
يَفتتح الدكتور بكّار مقالته بمُلاحظةٍ من مَطارات السَّفَر: إذا أُتيح للنَّاس وقتُ انتظارٍ خَلَّوا فيه إلى أنفسهم، انكشفَت اهتماماتهم الحقيقية. فيَجد الغَربيَّ مع كتابه، ويَجد كثيراً من أبناء بلادنا حائرين كيف يَملَؤون ذلك الفَراغ. ويُقرّر أنّ هذا الفَرق لم يأتِ من جينات، إنّما من تربيةٍ وبيئة.
ثم يَطرح أربعَ ركائز في صناعة الرغبة عند الطفل: أُسرةٌ مُهتمّةٌ بالكتاب، فالخُطوط العَميقة في شخصية الطفل تُرسَم في السَّنوات السِّتّ الأُولى. ثم أُسرةٌ قارئة، لا أسرةٌ مُتَعَلِّمة فقط، ويَستشهد على ذلك باستطلاعٍ أمريكيٍّ بَيّن أنّ 82% من الأطفال الذين لا يُحبّون القراءة لم يَحظَوا بتَشجيعٍ من آبائهم. ثم مَكتبةٌ منزلية، يَألَف فيها الطفل الكتاب قبل أن يَفتحه. ثم ضَبطُ استخدام وسائل التِّقنية، فالتِّلفاز والإنترنت يُضعفان التَّركيز، ولا يُمكن أن يُنافس الكتابُ هذه الأدوات على نفس الميدان.
ويَختم بكلمةٍ جامعة: أنّ أطفالنا لا يُمارسون القراءة لأنّ الكِبار من حولهم لا يُمارسونها.
مسؤوليةٌ لا تُحال على غَير الأسرة
وما يَعرضه الدكتور بكّار هنا يَلتقي مع ركنٍ ثَقيلٍ نَنطلق منه في كتابتنا: أنّ مَسؤولية الأسرة في تربية الجيل أَصيلةٌ لا تُحال على مَدرسةٍ ولا على شَيخٍ ولا على بَرنامج. فالبَيت أوّلُ مَدرسةٍ وأبقاها أَثراً، وثَمَّ سِنٌّ مِثاليةٌ لِزَرعِ القِيَم في الصِّغار تَضيع إنْ تَراخى الأَبوان.
ومن المهمّ أن نَلتفت إلى ما يَستتبعه هذا المعنى: أنّ الاستطلاع الذي يَستشهد به الدكتور بكّار — أنّ 82% من الأطفال الذين لا يُحبّون القراءة لم يَحظَوا بتَشجيع آبائهم — ليس إِحصاءً عن أطفال، إنّما هو إِحصاءٌ عن أُمَّهات وآباء. فتَقصيرُنا نحن هو الذي يَصنع تَقصير الأبناء.
ولذا، حين نَنشغل في تَكليف أبنائنا ببَرامج القراءة الصَّيفية ومَكتبات المَدرسة، ونَنسى أن نَكون نحن أوّلَ القُرّاء في البَيت، فقد ألقَيْنا حِملاً على غير حَامِله، وحَمَّلنا الفَرعَ ما نَعجَز عنه نحن في الأَصل.
ما نأخذه إلى بيوتنا
والثَّمَرةُ التي يَأخذها المُربّي من هذه المقالة إلى بَيته خُطوتانِ بَسيطتان قبل أيّ خُطّةٍ تربوية:
أوّلهما: أن نَفتح في البيت رَفّاً للكُتُب يَراه الطفل وهو في غُدُوّه ورَواحه، فيَألَف الكتاب بالحُضور قبل القِراءة. ولا يَلزم أن يَكون الرَّفّ فاخراً، إنّما يَكفي أن يَكون مَوضِعاً ثابتاً يَجلس إليه الكِبار في البَيت.
وثانيهما: أن نَختار من اليوم ساعةً نَجلس فيها نحن — الوالدَيْن — مع كِتاب، ويَعلم الأبناء أنّ هذه السَّاعة لا تُؤجَّل لأَيّ مَشغَلة. فإذا رَأَوا أنّ الكِتاب يَأخذ من وقتنا ما يَأخذه الطَّعام والحَديث، تَعلَّموا أنّه جُزءٌ من حياة البَيت لا تَرَفٌ عابرٌ.
فإذا صار الكِتاب من حياة البَيت، صار من حياة الأبناء.
والمقال كاملاً في موقع الدكتور عبد الكريم بكّار، فمن أحبَّ التَّوسُّع في مَعالم القاعدة فلْيَرجع إليه. وجزى الله الكاتبَ والقائمين على الموقع خيراً.
إنّ أطفالنا لا يُمارسون نشاط القراءة؛ لأنّنا نحن الكِبار لا نَفعل ذلك!