اخترنا لكم

من المهد إلى اقرأ | صَفيّة أبي حفص في فطرية

جِيلُ الخِلافة
رَسمٌ تَصويريّ لِأُمٍّ تَقرَأُ مِن كِتابٍ أَمامَ مَهدِ رَضيعِها، إلى جانِبِها مَكتَبَةٌ مُمتَلِئَةٌ بِالكُتُب
صورَةُ الغِلاف عَلى مَوقِع فِطْرِيَّة

كتبت الأستاذة صفية أبي حفص في «فطرية» — منصةٌ أسريةٌ لِبناء جيلٍ مسلمٍ بمرجعيةٍ ثابتة — مقالاً عنوانه «من المهد إلى اقرأ»، أعادَت فيه النَّظر في ما عَلا في زماننا من ضجيجٍ حول «صناعة الطفل القارئ»، فبَيَّنَت أنّ الأَولى من البَدء بالصغير أن تَستردّ الأمّ مَوقعَ الكتاب من قلبها أوّلاً.

ما طرحه المقال

تَنطلق الكاتبة من أنّ نداء الوحي الأوّل ﴿اقرَأ باسمِ ربّكَ الذي خلَق﴾ ليس توجيهاً إلى مهارةٍ مُجرّدة، إنّما هو تأسيسٌ لنَظرٍ مَوصولٍ بأصله، تَنتظم به الحِكمة وتَستقيم به المقاصد. ثم تَنتقل من هذا التأصيل إلى مَعركة الأمّ اليومية مع الكَدّ والإرهاق، فتَطرح القراءة بَوصفها ضرورةً وُجودية تَستردّ بها الأمّ زِمام نَفسها قبل أن تَلتفت إلى ولدها.

أمّا خُلاصة المقالة فهي أنّ الطفل لا يُغرَس فيه الكتاب بزُخرف القول، إنّما يَلتقطه من أطرافه الخَفيّة — من طريقة جلوس الأمّ، ومن سُكون لحظتها معه، ومن حركة يدها وهي تُقلّبه. ثم تَبسط هذا المعنى بكلمةٍ جامعة:

فالأم القارئة لا تكتفي بإخبار أبنائها بمحبة الكتاب، وإنما تُريهم ذلك حالًا؛ تشهده الأعين قبل أن تلتقطه الأسماع. وحسبهم أن يروها وقد آبت إلى كتابها أوبة من وجد مستقره؛ ليوقنوا أن وراء هذا السكون معان، وأن في الحرف سرًا يستوجب هذا الانصراف المهيب.

التربيةُ غَرسٌ لا تلقين

وما تَنبَّهَت إليه الأستاذة هنا هو أوّل ما نَدعو إليه في كتابتنا: أنّ التربية غَرسٌ لا تَلقين، وأنّ ما يَصل إلى الطفل عبر الرؤية والمشاهدة والموقف أبلغُ بكثيرٍ ممّا يَصل عبر الأذن والخطاب والعتاب. فالقدوة أوّلُ المنهج لا آخره، والمربّي يُربّي بما هو عليه قبل أن يُربّي بما يقول.

وفي ضوء هذا الأصل، نَفهم لماذا تَفشل خُطط تَحبيب القراءة في كثيرٍ من البيوت: لأنّها تَنطلق من سؤال «كيف نُلقّن الطفلَ القراءة» قبل سؤال «كيف نَكون نحن قُرّاء». ومن هنا، فالكِتاب لا يَنتقل من الرفّ إلى يد الصغير، بل يَنتقل من قَلب الكَبير إلى قَلب الصغير، ثم تَأتي اليد بعد ذلك.

وممّا يُعين على هذا المعنى ويُتمّ بَيئتَه ما جَعلناه في مكتبتنا من كُتب الدكتور عبد الكريم بكّار، ولا سيّما «تأسيسُ عقليّةِ الطفل» و«القراءةُ المُثمِرة» — فإن كانت الأستاذة تَتحدّث هنا عن حالِ الأمّ القارئة، فالدكتور بكّار يَتحدّث عن بيئةِ البيت القارئ، وكلاهما يَنتهي إلى أنّ القراءة تُورَث بالحال قبل أن تُلقَّن بالمَقال.

ثم تَختم الأستاذة مقالتها بِنداءٍ مباشرٍ للأمّ يُجمِل منهجها كلّه:

فيا أيتها الأنثى المربية، مَقامُكِ من الكتابِ هو مَقامُكِ من نَفْسِكِ أولاً، ومِمَّن يقتفُون أثرك تَبَعاً؛ فباستنارةِ مَحل النَّظرِ عندكِ، تستقيمُ لهم معالم الطريق.

ما نأخذه إلى بيوتنا

ولعلّ أحسنَ ما تَأخذه الأمّ من هذه المقالة إلى بيتها اليوم أمرٌ واحدٌ يَجمع كلَّ الأمر: قبل أن تَضع خُطّةً لتَعليم ابنها القراءة، فلْتَجلس هي إلى الكتاب أوّلاً. ساعةُ سُكونٍ صادقةٍ في اليوم على صفحاتها — لا لتُريَ ابنها ولا لتُلقّنه، بل لأنّ صَفاءَ نَظرها يَنعكس عليه دون أن تُعمِل فيه قولاً. فالقُرّاء الصِّغار يُورَثون من قُرّاءٍ كِبار، لا يُصنَعون من خُطط.

والمقال كاملاً في موقع فطرية، فمن أحبَّ التوسّع في معانيه وألفاظه فلْيَرجع إليه. وجزى الله الكاتبةَ والقائمين على الموقع خيراً.

الصَّبيُّ لا يأخذُ القراءةَ صناعةً مقتطعة، بقدر ما يرثُها حالًا باطنةً، تسري إليه من سَمْتِ أمه قبل أن تمرَّ عبرَ مَنطقِ لسانها.

نَنشُرُ كُلَّ جديدٍ من مَناهجِ التربيةِ ومَوارِدِ المعلِّمين والأسرةِ المسلمة، أَوَّلًا بأَوَّل.