كتب الأستاذ الدكتور راغب السرجاني — في موقعه «قصة الإسلام»، ضمن سلسلته في أعلام النساء — مقالاً عنوانه «أمّ أبان بنت عبد الحميد وروعة التربية النفسية». أحيا فيه قصةً من القرن الثاني الهجري، رفعَت فيها أمٌّ ابنَها — على ما في خِلقته من شدّة — إلى مقام القضاء في مكّة، بكلمةٍ واحدةٍ قِيلت في موضعها.
ما طرحه المقال
ومدار القصّة، كما لخّصها صاحب المقال، أنّ الأوقصَ المخزوميّ — قاضي مكّة في خلافة المهديّ العباسي — خُلق ذا خِلقةٍ شاذّةٍ يُهاب فيها مجلسُه من غير عدلٍ يَجلده. وكان شاباً تَجاذبَتْه المجالس التي تُلهي الشباب عن أنفسهم؛ فجاءته أمّه بكلمةٍ جامعة، ذكّرته أنّ خِلقته لا تواتيه في تلك المجالس، فأَولى به أن يلتمس الرفعة من الدين، فهو الذي «يرفع به الخسيسة ويُتمّ به النقيصة». فأطاع أمّه، فولّاه الله القضاء.
ثم يستخرج الدكتور السرجاني من القصة ثلاثة معالم تربوية: ألّا نُداهن النقيصة في الولد فقد عرَفها هو وعرَفها الناس، وأن نُذكّره أنّ في غيره نقائصَ كذلك وأنّ في ذاته مواهبَ يحسده عليها سواه، وأنّ الدين أعظمُ ما يَكمل به الناقصُ ويُرفع به الموضوع.
من أبواب التربية الإيمانية
والذي طرحه الدكتور هنا يلتقي مع ركنٍ أصيلٍ من أركان كتابتنا في المدوّنة: أنّ العقيدة أصلُ التربية وأوّلها، وأنّ غرسَ معاني الإيمان في القلب ورَبطها بواقع الطفل اليوميّ هو الأساس الذي يُبنى عليه كلُّ خُلقٍ وأدبٍ بعد ذلك. فأمّ أبانٍ لم تُعالج نقيصة ابنها معالجةً نفسيةً مجرّدة، إنّما رفعَت سقفه فوق النقيصة كلّها، وأَلجأَتْه إلى الذي يرفع كلَّ خسيسة ويُتمّ كلَّ نقيصة.
والحقيقة أنّ ما فعلَتْه الأمّ جَمَع في موضعٍ واحدٍ ثلاثَ خِصالٍ يَعِزّ اجتماعُها في تربيتنا اليوم: صدقٌ في تشخيص الواقع، ورِفقٌ في إبلاغه، وإيمانٌ في فتح المَخرج. فهي قد اعترَفَت أوّلاً بما لا يُمكن إنكاره — أنّ خِلقته لا تواتيه في ذاك المجلس — ثم لم تَدَعْه على الجرح بلا مَخرج، بل وضعَت في يده مفتاحاً أكبرَ من النقيصة كلّها. ومن المهمّ أن ننبّه إلى أنّ ما يَفقده كثيرٌ من توجيهاتنا اليوم تحديداً هو هذا: الجرأة على أن نواجه الولد بحقّه دون قسوة، وأن نُريَه السبيلَ دون أن نُذلّه بنقصه.
ومن هنا، فالعقيدة عندنا ليست خانةً من خانات التربية، إنّما هي الأَساسُ الذي تَنبَني عليه كلُّ خاناتها، فالدِّينُ أوّلُ ما يُغرَس في القَلب وآخِرُ ما يَبقى فيه. وحين نَطلب لأبنائنا تَفوّقاً في الدراسة وثقةً في النفس ومَهاراتٍ اجتماعية، ونَنسى أن نَطلب لهم تَفوّقاً في الدين، فقد رَفَعنا الجِدارَ على غَيرِ أَساس.
ما نأخذه إلى بيوتنا
ولعلّ أحسنَ ما يَأخذه المربّي من هذه القصّة إلى بيته اليوم أمران:
أوّلهما: أنّ في كلّ بيتٍ ولداً يحمل ضعفاً — في خَلْقٍ أو خُلُقٍ أو طاقة — وأنّ علاج ضعفه ليس في إنكاره ولا في تَهوينه، بل في إصلاحِ ما يُمكِن إصلاحُه، ثُمَّ فَتحِ بابٍ آخر يَعلو عليه، والبابُ الأرفعُ دائماً هو الدِّين.
وثانيهما: أنّ كلمة الأمّ — حين تأتي في وقتها وتجمع الصدقَ والرحمة — أبلغُ من خطّةٍ تربويةٍ مكتوبة. وفي أثرٍ مأثور: «حالُ رجلٍ في ألف رجلٍ أبلغُ من قول ألفِ رجلٍ في رجل». فالكلمةُ الواحدة في موضعها قد تَبلغ ما لا تَبلغه ألفُ موعظةٍ متكرّرة.
والمقال كاملاً في موقع قصة الإسلام، فمن أحبَّ التوسّع في تفاصيله وأسانيده فلْيَرجع إليه. وجزى الله الكاتبَ والقائمين على الموقع خيراً.
يا بُنيَّ، إنّك خُلِقتَ خِلقةً لا تصلح معها للقاء الفتيان عند القِيان؛ فعليك بالدين؛ فإنّ الله يرفع به الخسيسة، ويُتمّ به النقيصة.